احتراق قلم

کتب حسین السنید

أربعون یوما .. و أنا احاول جاهدا أن اکتب عنکما .

و في كل مرة يصيبني الهلع ثم تفر مني الأفكار و الكلمات لأجد نفسي وحيدا .. هاربا من نفسي و منكما الى فضاء فارغ . واليوم حبست نفسي في غرفة مظلمة ، اقفلت الابواب و الشبابيك و اسدلت الستائر و قطعت كل وسائل الاتصال .

لا مجال للهروب … سأكتب عنكم ، سأقوم بهذا العمل الشاق المرهق و المستحيل . سأقبل هذا التحدي رغم ان الكتابة عنكما هي اصعب ما يمكن ان يواجهني . كيف أبدأ؟ كيف اسرد؟ كيف انهي؟ لا ادري هذا قلمي بيدي .. بدأت الكتابة الآن ، احمرّ القلم و اصطك ، قاوم رسم الحروف و تكوين الكلمات، سأجبره على الكتابة ، اجبرته على الكتابة عنكم فاشتعل رأسه .. لابأس .. سأستمر ، ليحترق القلم .. انا الان اكتب عنكم بقلم مشتعل ، كما يليق بكم ..

الصورة الاولى:

رجال الحرب قساة .. كما قرأنا عنهم او عرفناهم عن قرب . فالذي يعيش في ميدان الحرب يعيش في خوف و ترقب و اهوال ومصائب ، يرى القتلى و الجثث المقطعة والمحترقة ، يرى رؤوس الاطفال المقطوعة ، يرى اقسى الاشياء ، فيقسو قلبه .

اذن . افهموني كيف و انتم عشتم الحروب بكل اهوالها و مصائبها ..يمكن ان يكون لكم قلوب من البلور و الفضة ؟ كيف تجلسون بين الاطفال بابتسمامة البلابل و تحتضنوهم بمروءة الآباء الكبار؟ كيف لكم ابتسامة تفيض قوس قزح و انتم من اذاق شياطين العصر الدواعش سوء العذاب؟ افهموني رجاء .. كيف يمكنكم ان تكونوا رحماء كرفرفة جنح فراشة في صباح ربيعي و اشداء كجبل من الماس في آن؟ و يأتيني الجواب سريعا .. (( في الحرب انت المستحم من الدما .. و السلم انت التين والزيتون)) انها مروءة علي تمشي في عروقكم .. و سمرته تنير في جباهكم ، فهذا علي ( ع) ينحني ليركب طفلا يتيما على ظهره بعد ان شكى له الطفل ان ليس له حصان خشبي مثل اطفال الجيران .. هذا علي ( ع) قالع باب خيبر ، بطل بدر و احد و خندق الذي لا فتى الاه و سيف الا سيفه.. ينحني لبراءة طفل يتيم و هو الذي تركع المجرات امامه .. هكذا هو علي (ع) و هكذا كنتم انتم .

الصورة الثانية :

عرفنا عن الذين يتقدم بهم العمر ، يميلون الى السكينة ، محاولين كسب اقصى حالات الراحة المطلقة في شتاء عمرهم ، ثم يموتون بهدوء ، مثلما مات اجدادنا و اعمامنا و جيراننا .. بكينا عليهم اياما معدودات قبل ان يستحيلوا صورا مؤطرة بشريط اسود معلقة على الجدار . و كل شيء ينتهي بهدوء و نسيان. اما انتما .. ايها الشيخين .. فكانت حياتكم هجرة و ثورة و رفض و حرب و تحدي و غبار معركة.. و مماتكم ثورة و صرخة و عويل و اسف و بكاء الملايين الهاتفين خلف جنائزكم . (( اقام بالضجة الدنيا و اقعدها …..)) فاقمتم الدنيا صراخا بمقتلكم .. فخاف القاتل منكم حتى بعد ان تناثرت اشلاؤكم على الطرقات ، فأومأ الى عبيده و قردته : هيا ارقصوا ..

ارقصوا لهذا النصر الكبير .. فانتشر العبيد في الازقة و الطرقات يرقصون مستبشرين بمقتلكم . و اذا سألنا احدهم لم انت فرح ؟ اجاب بعيون فارغة بلهاء : هكذا جاءت الاوامر ! حتى تلك الكف المبتورة .. انت مخيفة لهم حتى صوركم امست موجعة لقلب الاعداء.فاحرقوها او مزقوها . و عندما غصت الشوارع ، و خرج الملايين يودعونكم ، انتصرتم مرة اخرى و اخرى .. طافت اشلاؤكم المدن و تلقفها الناس ككعبة للرفض والمقاومة .

فشعر قاتلكم بهزيمته مرة اخرى . صـمـتُـهُ مـئـذنَـة كـلَّـمـا فَـرشَـت ظـلَّـهـا، هـوَّمـت فـيـه عـصـفـورةٌ، وغَـفَـت سـوسـنَـة!

الصورة الثالثة:

يقول صديقي الذي يعمل في مطار بغداد ..افزعهم صوت انفجار هائل هز الجدران بعنف ، هرع الى الخارج .. كانت رائحة خاصة تحتل المكان ، لم تكن رائحة البارود او المتفجرات او الدماء او اللحم البشري المهروس ، كانت رائحة بنفسج! ثم شاهد في حلكة الليل عصافير لامعة ، صفر و زرق و بيض و حمر يتطايرن في مكان الانفجار ، ثم طرن الى الاعالي في حركة دائرية منتظمة و شكلن قوس قزح و سرعان ما رحن يتساقطن واحدة واحدة على المكان كمطر منير . يقول صديقي اقتربنا من مكان الانفجار فشاهدنا القبضة المقطوعة التي ماتزال تحتفظ بقوتها .. و كانت مصدرا لرائحة البنفسج التي وصلت الى ابعد مدى . الصورة الاخيرة الان وصلت جمرة قلمي الى اناملي ساسقطه بعد قليل ، فانا لست مثلكم و لا استطيع ان افهمكم ، كل ما اكتب لا استطيع الوصول الى افقكم ، فصدري يضيق ان يلمح مدياتكم الرحبة. اعذروني .. سوف لن اكتب عنكم مرة اخرى ، فالكتابة عنكم تعني ان احفر رأسي بمدى و نصول من الحديد الملتهب .. و هي مؤلمة و مميتة ..

الان اسقطت القلم المجمور .. لان لم يبق عندي ما يبتزه الالم..

عن abbas

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الثالث من آب .. الذكرى السنوية للهجوم على سنجار وإبادة الايزيديين

الثالث من آب تاريخ أسود يضاف الى الأيام السوداء التي فرضها داعش ...